محمد حسين علي الصغير
22
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
بديعة ، وتكون للمؤلفين آراء نقدية طريفة « 1 » . إلا أنني أرى الحال مختلفة دون ريب عند عبد القاهر الذي وضع الأسس والمشخصات وجاء بالتسمية والمفردات ، وعدد وفرع وقسم واستنبط وعلق ونظر وطبق في أصول علم البيان اصطلاحا ، نعم لم يلجأ إلى التقسيمات الفلسفية ، كما صنع من استفاده بعده مما أوجده هو من ركائز لم يضف إليها السكاكي شيئا ، ولم يزد عليها القزويني بابا ، فالطريق - كما يبدو لي - ممهدة من ذي قبل ، إلا أن السكاكي ومن ورائه القزويني ، قد تجاوزا المعقول في التفريعات ، وجدا في الاستقصاء ، وإطلاق المسميات بشائبة من الفكر المنطقي والحس الفلسفي الذي يبتعد في كثير من الأحيان عن البعد البلاغي ، مما يدخل البلاغة العربية الأصول في استنباطات أعجمية وثقافات أجنبية . وهذا لا يعني أننا نغض من قيمة ما قدمه كل من السكاكي ( ت : 626 ه ) والخطيب القزويني ( ت : 739 ه ) ولكن السبق البياني لعبد القاهر وله الأصل وهم المفرعون ، فهم وإن أوجدوا التقسيمات المطولة ، والحدود المفرقة والمميزة إلا أن طريقة عبد القاهر فيما يبدو لي أجدى نفعا ، وأعم فائدة ، وأكثر واقعية ، وهو يريد أن ينحدر تبعا لباحثية - إلى مفاهيم مختلطة في المنطق والأصول وعلم الكلام والفلسفة ، ووجد طلاب هذا العلم على وشك الوقوع في دوامة من الجدل والرد والنقض والحد والتعريف والإدخال والإخراج بحيث تضيق الدائرة لتصبح لغزا رياضيا لا فنا جماليا ، وبالتالي تكون العناية بالنظرية لا بالتطبيق ، النظرية المشوبة بكثير من الأوشاب الضارة لتنتج هروبا عن هذا العلم ، ونزوعا إلى التقسيمات العميقة الدائرة في فلكه ، فعمد عن قصد وإصرار إلى مزج الفكر بالواقع ، واللغة بالعاطفة ، والعلم بالفن ، في إعطاء نماذج وأمثلة وتطبيقات نابعة من القرآن الكريم والشعر العربي ، يجملها حينا ويفصلها حينا آخر ، بحسب مقتضيات التلاؤم والتناسب في البيان ، شبيها بما أسداه من ذي قبل السيد الشريف الرضي ( ت : 406 ه ) في تلخيص البيان عن الاستعارة
--> ( 1 ) أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 20 .